يوسف المرعشلي
1251
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
بك كل يومين أو ثلاثة يستدعي المترجم لمنزله ويذاكره في هذه القضية وسير المرافعة فيها ، فيوما كان عنده فتذاكرا في الشؤون العامة فجرهم الحديث لأسباب قيام الأرنؤوط وقتئذ ( ورضا بك هو من عظماء الأرنؤوط ) وما يجريه الاتحاديون في الآستانة وغيرها من الخروج عن حدود الشرع وتقبّلهم للمدنية الغربية بجميع حذافيرها وعملهم بقوانينها ونبذهم الشريعة الغراء بتاتا ، فقال له المترجم : لو كان هؤلاء الثائرون قائمين لإعلاء كلمة اللّه وتأييد الشريعة المحمدية لكان قيامهم مشروعا ، وحيث إن قيامهم ليس بهذه الغاية فإنهم لا ينجحون ولا يتوفقون ، فأجابه أن قيامهم ليس إلا لانتهاك حرمات الشرع ، وأشار عليه أن يكتب ثلاث عرائض الأولى تتضمن : أن ترك العمل بالشريعة الغراء والاستعاضة بالقوانين الأوروبية لا يجوز شرعا ، وعليه نطلب إبطال هذه القوانين والرجوع إلى ما أمر به الشرع المبين ، إذ لا يوجد شيء لا يكون قد نص عليه في الفقه الإسلامي ، وإن كنتم غير قادرين على هذا العمل فإن هناك من العلماء من يؤسس لكم قانونا على وفق الشرع ، وإن لم تعملوا به فإنا سنقاتلكم إلى النهاية . فحرّرت العريضة بهذا المآل ، وأرسلت مع شخص مخصوص من قبل رضا بك لتسلّم إلى علماء وأشراف ( ياقوه ) بلدة رضا بك ليقدموها إلى الآستانة ويطلبوا العمل بمقتضاها . والعريضة الثانية قدمت في البريد إلى علي بك بن رضا بك المتقدم وكان وقتئذ مبعوثا في مجلس المبعوثين عن أهالي ( ياقوه ) ليقدمها للمجلس ، ويقدم معها تقريرا له يقترح به العمل بما فيها . والثالثة قدمت للمشيخة الإسلامية في الآستانة ، وهذه وقع عليها رضا بك ، والشيخ محمد الكلاوي المترجم ، وولده الشيخ توفيق ، والشيخ حمادة البيانوني والشيخ عبد العزيز العلاني إمام المسجد ، وأحمد أفندي الحسبي ، وأحمد أفندي الخياط الكاتب في دائرة كتابة العدل الآن ، وكلهم من أخصاء المترجم . فالتي قدمت لباب المشيخة أطلع شيخ الإسلام الصدر الأعظم عليها ، وكان وقتئذ في الآستانة جمعية دعيت « الجمعية المحمدية » ، وتوسعت وتشعبت هناك فاهتمت لها الحكومة العثمانية الاتحادية وخشيت العاقبة ، فأوعزت إلى ناظر الداخلية أن يرسل إلى والي حلب يأمره بالقبض على الموقعين على هذه المضبطة ويرسلهم مخفورين إلى الآستانة ، فكان ذلك ، وقبض عليهم وعلى رضا بك وذلك في ربيع الأول وربيع الثاني من سنة 1327 وسنة 1325 رومية وسنة 1909 ميلادية ، إلا الشيخ محمد البيانوني فإنه تمكن من التواري وصار ينتقل من قرية إلى قرية ومن بيت إلى بيت ، والحكومة هنا لم تشدد في القبض عليه لعلمها بعدم تداخله ولما كان عليه من البساطة ، وأرسل الباقون إلى الآستانة . وقد ظن بالآستانة أن لهؤلاء علاقة بالجمعية المحمدية لأن مآل مطالب الفريقين واحد ، وظن أن ذلك من تحريكات السلطان عبد الحميد ، وأن رضا بك من أعوانه ومروجي فكرته ، وكان الأرنؤوط من محبي السلطان عبد الحميد . والرسول الذي كان يحمل العريضة إلى بلاد الأرنؤوط ألقي عليه القبض في سلانيك لاشتباههم به ، وأخذت منه العريضة مع كتاب رضا بك المرسل معه لكبراء بلاد الأرنؤوط الذي يحثّهم فيه على تقديم هذه العريضة وطلب تحقيق ما فيها ، واستنطق هناك الرسول عما هو حادث في حلب فحدثهم بالقصة واجتماع المترجم برضا بك وما جرى بينهما ، وأرسلت تلك الإفادات إلى الآستانة ، وأودعت جميع الأوراق إلى ديوان الحرب هناك ، وكان يرأس الديوان خورشيد باشا ناظر البحرية ، فأخذت إفادات المقبوض عليهم ، وأخيرا حكم عليهم بالإعدام ، وبتوسط علي بك بن رضا بك المبعوث الأرنؤوطي وتوسّله لدى محمود شوكت باشا ناظر الحربية ، بدل حكم الإعدام بالنفي المؤبد إلى جزيرة رودس ، فأرسلوا إليها وبقوا هناك ثلاث سنوات وأربعة أشهر ، ثم بتوسط مبعوثي حلب وقتئذ نافع باشا الجابري والشيخ بشير الغزي ، وبواسطة علي باشا المصري عم سعيد حليم باشا الصدر الأعظم إذ ذاك ، صدر الأمر السلطاني بالعفو عنهم فأطلقوا عندئذ وعادوا إلى حلب ، وكان ذلك سنة 1330 ه . وكانت وفاة المترجم في السابع والعشرين من ربيع الثاني سنة 1334 ه ، ودفن في تربة الشيخ